الشيخ محمد النهاوندي
506
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
أقول : على الروايتين السورة مدنية ، لأنّ أبا الدّحداح كان من الأنصار ومن أهل المدينة . [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 12 إلى 13 ] إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) ثمّ لمّا بيّن سبحانه فائدة الإعطاء والتقوى والايمان وضرر البخل والكفر ، بيّن أنّ الهداية إلى ما فيه الخير والشرّ من شأن الربوبية بقوله : إِنَّ الواجب عَلَيْنا بمقتضى الحكمة البالغة واللّطف لَلْهُدى وبيان الطريق المؤدّي إلى كلّ خير وسعادة ، وإلى الشرور والضلالة ، وقد فعلنا بما لا نزيد عليه ، حيث بيّنا حال من سلك كلا من الطريقين ترغيبا وترهيبا . عن القمي : أنّ علينا أن نبيّن لهم « 1 » . وعن ابن عباس : يريد ارشد أوليائي إلى العمل بطاعتي وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي « 2 » . أقول : معنى حيلولته خذلانه ، وإيكالهم إلى أنفسهم عقوبة على كفرهم وطغيانهم . ثمّ بيّن سبحانه غناه عن عبادة الناس ، وإنّما تكون هدايتهم للنفع العائد إليهم بقوله : وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى وتلك العقبى والأولى ، لا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، ولا يضرّنا ضلالكم ، فمن طلب سعادة الدارين فليطلبها منّي ، وليعمل بطاعتي . [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 18 ] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ( 17 ) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ( 18 ) ثمّ هدّد سبحانه الذين لا يهتدون بهداه بقوله : فَأَنْذَرْتُكُمْ أيّها الناس فيما أنزلت إليكم من القرآن ناراً تَلَظَّى وتتلهّب وتتوقّد بغضبي ، وخوّفتكم بها لترتدعوا عن عصياني ومخالفتي ، واعلموا أنّه لا يَصْلاها ولا يدخلها إِلَّا الكافر الْأَشْقَى من جميع العصاة والأبعد من كلّ خير وسعادة ، وهو الَّذِي كَذَّبَ بآيات ربّه ورسالة رسله وَتَوَلَّى وأعرض عن قبول الحق ، واستنكف عن طاعة ربّه . وعن ابن عباس في رواية أخرى : أنّها نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذّبوا محمدا والأنبياء قبله « 3 » . أقول : وهو جار في حقّ كلّ كافر إلى يوم القيامة ، إذ لا يكون الكفر إلا بالتكذيب ولو بإنكار ضروري من ضروريات الدين ، ومقتضى الحصر أن لا يدخل النار من كان مؤمنا عاصيا ولا يبعد ذلك ، نعم
--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 426 ، تفسير الصافي 2 : 338 . ( 2 ) . تفسير الرازي 31 : 202 . ( 3 ) . تفسير الرازي 31 : 202 .